الغزالي

477

مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب

فقال : ومالي لا أبكي وأنا أحقّ بالبكاء لعلّي أكون في علم اللّه على غير الحال التي أنا عليها ، وما أدري لعلّي أبتلى بما أبتلي به إبليس ، فقد كان من الملائكة ، وما أدري لعلّي أبتلى بما ابتلي به هاروت وماروت . قال : فبكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وبكى جبريل ، فما زالا يبكيان حتى نوديا أن يا جبريل ، ويا محمّد إن اللّه تعالى قد أمّنكما أن تعصياه ، فارتفع جبريل ، وخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمرّ بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون . فقال : « أتضحكون ووراءكم جهنم ؟ فلو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ، وبكيتم كثيرا ، ولما أسغتم الطعام والشراب ، ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى اللّه عزّ وجل » فنودي يا محمّد لا تقنّط عبادي إنما بعثتك مبشرا ، ولم أبعثك معسّرا . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « سددوا وقاربوا » . وروي أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لجبريل : « ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكا قطّ ؟ » فقال : ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار . وابن ماجة ، والحاكم وصحّحه : « إن ناركم هذه جزء من سبعين جزء من نار جهنم ، ولولا أنها أطفئت بالماء مرّتين لما انتفعتم بها ، وإنها لتدعو اللّه عزّ وجلّ ألّا يعيدها فيها » . والبيهقي أن عمر رضي اللّه عنه قرأ كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ « 1 » قال : يا كعب ، أخبرني بتفسيرها ، فإن صدقت صدقتك ، وإن كذبت ، رددت عليك . فقال : إن جلد ابن آدم يحرق ويجدد في ساعة ، أو في يوم ستة آلاف مرة ، قال : صدقت . والبيهقي : إن الحسن البصري قال في هذه الآية : تأكلهم النار كلّ يوم سبعين ألف مرّة كلّما أكلتهم قيل لهم : عودوا . فيعودون كما كانوا . ومسلم : « يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة ثم يقال له : يا ابن آدم ، هل رأيت خيرا قطّ ؟ هل مرّ بك نعيم قطّ ؟ فيقول : لا واللّه يا ربّ . ويؤتى بأشدّ الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له :

--> ( 1 ) سورة النساء ، الآية : 56 .